عبد القاهر الجرجاني

276

دلائل الإعجاز في علم المعاني

اسمه ، فإذا جعلوا " الرجل " بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا ، قالوا : " هو أسد " وإذا وصفوه بالتّناهي في الخير والخصال الشريفة ، أو بالحسن الذي يبهر قالوا : " هو ملك " وإذا وصفوا الشيء بغاية الطّيب قالوا : " هو مسك " . وكذلك الحكم أبدا . ثمّ إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا عن المشبّه اسم جنسه فقالوا : " ليس هو بإنسان ، وإنما هو أسد " ، و " ليس هو آدميّا ، وإنما هو ملك " ، كما قال اللّه تعالى : ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يوسف : 31 ] . ثمّ إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة قالوا : " هو أسد في صورة إنسان " و " هو ملك في صورة آدميّ " . وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة ، وذلك في قوله : [ من الخفيف ] نحن ركب ملجنّ في زيّ ناس * فوق طير لها شخوص الجمال " 1 " ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست " الاستعارة " نقل اسم عن شيء إلى شيء ، ولكنها ادّعاء معنى الاسم لشيء ، إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا : " رأيت أسدا " ، بمعنى : رأيت شبيها بالأسد ، ولم يكن ادّعاء أنّه أسد بالحقيقة لكان محالا أن يقال : " ليس هو بإنسان ، ولكنه أسدا " أو " هو أسد في صورة إنسان " ، كما أنّه محال أن يقال : " ليس هو بإنسان ، ولكنه شبيه بأسد " أو يقال : " هو شبيه بأسد في صورة إنسان " . واعلم أنّه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ " النقل " في " الاستعارة " ، فمن ذلك قولهم : " إنّ الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل " : وقال القاضي أبو الحسن " 2 " : " الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم المستعار عن الأصلي ، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها " .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 1 / 166 ) من قصيدة في مدح عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكي ، ومطلعها : صلة الهجر لي وهجر الوصال * فكساني في السقم نكس الهلال الركب : جمع راكب ، ملجن : أي من الجن لغة ، الزي : الهيئة . أي : نحن كالجن نألف المجاهل وركائبنا كالطير في قطع المسافات . المعنى : يقول نحن ركب وهم ركاب الإبل يقال : ركب وركبان من الجن في زي الناس فوق طير إلا أنها في صورة الجمال يرد لسرعة سيرها كأنها تطير كما يطير الطير . والبيت في شرح التبيان للعكبري ( 2 / 159 ) ، والإيضاح ( 260 ) ، ورواية الإيضاح : " نحن قوم الجن في زي ناس " ، والمفتاح ( 480 ) ، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 211 ) وعزاه للمتنبي . ( 2 ) علي بن عبد العزيز الجرجاني ( ت 392 ) صاحب كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه " . شذرات الذهب ( 3 / 56 ) .